مولي محمد صالح المازندراني
575
شرح أصول الكافي
يجعل في أحد من معرفة ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه ) أي لا يدرك حقيقة ذاته وصفاته لأن ادراكها ممتنع فكذا في المشبه وقد ذكرنا طريق معرفته في كتاب التوحيد من الأصول . ثم أشار إلى ما يتفرع على المشبه بقوله ( فشكر جل وعز معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره ) الاعتراف بهذا التقصير لازم للاعتراف بالتقصير عن معرفة نعمه ( فجعل معرفتهم بالتقصير ) عنهما ( شكراً وجزاهم جزاء الشاكرين وأشار إلى ما يترتب على المشتبه به بقوله ( كما علم علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله ايماناً ) وجزاهم جزاء المؤمنين ( علماً منه أنه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذل ) علماً علة لقوله ، فجعل معرفتهم بالتقصير شكراً ، وجعل علم العالمين بأنهم لا يدركونه » ايماناً والقد بالكسر والشد القدر وضمير يتجاوز راجع إلى الوسع وذلك إشارة إلى اعتراف العارفين بالتقصير وعلم العالمين انهم لا يدركونه وارجاع الضمير إليه سبحانه وإشارة ذلك إلى الجعلين احتمال بعيد ( فإن شيئاً من خلقه لا يبلغ مدى عبادته ) أي غاية عبادته اللايقة به وقد اعترف خاتم الأنبياء وسيد الأوصياء بالتقصير وروى عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) أنه قال لبعض ولده « يا بنى عليك بالجد لا تخرجن نفسك عن حد التقصير عبادة الله عز وجل وطاعته فإن الله لا يعبد حق عبادته » ( وكيف يبلغ مدى عبادة من ليس له مدى ولا كيف ) لأن اللايق بمن ليس له مدى وكيف عبادة خلت عنهما إذ كل ما هما له ممكن ناقص لا يليق بالله المتعالي عنهما علواً كبيراً ، ولا ريب ان العبد لا يقدر ان يبلغ مدى هذه العبادة إذ له مدى ولا مدى لها وانما يقدر على عبادة متصفة بهما وهي لا يليق به . * الأصل : 593 - محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن عنبسة بن بجاد العابد ، عن جابر ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : كنّا عنده وذكروا سلطان بني اُميّة فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : لا يخرج على هشام أحدٌ إلاّ قتله ، قال : وذكر ملكه عشرين سنة قال : فجزعنا ، فقال : مالكم ; إذا أراد الله عزّوجلّ أن يهلك سلطان قوم أمر الملك فأسرع بسير الفلك ( 1 ) فقدّر على ما يريد ؟ قال : فقلنا
--> 1 - « قوله امر الملك فاسرع » هذه مسألة اتفق فيها ما ورد في الشرع على ما اعتقده أكثر الفلاسفة من أن الحركة الدورية لا تكون إلاّ إرادية ولابد أن ينسب حركة الكواكب إلى محرك مريد وقد ذكرنا ذلك وبيناه سابقاً ولا ريب أن كل من رأى رحى متحركاً من غير سبب ظاهر ينسبه إلى ملك أو جن وسمى الفلاسفة محرك الفلك عقلا وسماه الشرع ملكاً وكذلك ينبغي أن يكون طريقة المسلم التابع للأنبياء ولا يتعبد بقول غير المعصومين إذ ليس قول الحكيم بنفسه حجة إلاّ إذا طابق قول المعصوم أو لم يخالفه وقام الدليل عليه وليست الفلسفة مذهباً واحداً فكل ما يخالف الشرع مردود وكل ما يوافقه مقبول وأما سرعة سير الفلك فربما يخطر ببال غير المتأمل أن الامر في دولة الجبابرة بعكس ما في الخبر لأن المعروف أن الزمان يمضى سريعاً في السرور والراحة وبطيئاً في المشقات والآلام واشتهر ذلك بين الناس وذكره الشعراء في العربية والفارسية وأن ليل الوصال قصير وليل الفراق طويل وقيل : ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطكاك المزاهر ونقول وان كان ملك الظالم يطول على الناس لكثرة بلائهم ومصيباتهم في دولته لكن الناس ليأسهم من النجاة وعدم وجود طريق التخلص يظنون أن زوال دولته محال وان مظالمه باقية إلى الأبد ، وهكذا يعتقد الظالم نفسه واتباعه الا ترى أن بنى أمية كانوا يعتقدون بقاءهم واستمرار ما ابتدعوه من لعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وتنفير الناس من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتغيير أحكام الشرع وهكذا كان اتباعهم يختلقون روايات تملقاً فيما كانوا يريدون ترويجه من الأباطيل زاعمين أن سنتهم باقية إلى الأبد وهكذا جميع الظلمة بعدهم إلى آخر الزمان هكذا يظنون والمبتلون بهم لا يتوقعون النجاة فإذا مضى عشرون سنة كما في الحديث على ملك هشام استقصروه بالنسبة إلى ما كانوا عليه من اليأس إلى الأبد . كما قيل : ربما تكره النفوس من الامر له فرجة كحل العقال فثبت صحة سرعة سير الفلك في دولة الجبابرة ولا يجوز للعاقل المتأمل أن يتسرع إلى رد كل ما سمعه لعدم نيل وجه صحته فهذا دأب الجاهلين خصوصاً فيما روى عن الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) وان كان ضعيفاً أو مروياً بطريق الآحاد فإن ذلك يوجب الترديد والترديد لا يوجب التكذيب فربما كان صادراً منهم حقيقة وان كان في اسناده ضعف وليس كل مشكوك كاذباً . والحمد لله على توفيقه لاتمام هذا الشرح وتنقيحه وتوضيحه والتعليق عليه وهو أكمل ما وجدناه من الشروح من جهة المعنى واللفظ فقد اقتبس في كل باب ما أورده من أهله وبينه بلفظ قريب من أذهان أكثر الناس وتبع في شرح مباحث التوحيد والحجة طريقة الحكيم المتأله خريت هذا الفن صدر الدين الشيرازي ( قده ) على ما أشرنا إلى أنموذج منه في موضعه وربما نقل عبارته بعينه أو مع حذف أو تغيير يسير لكلمات لا يفهمه الناس وما أراد بذلك إلاّ النصح والخير ، ونقل في مباحث الإمامة من أوثق شراح الصحاح الستة والكتب المعتبرة لأهل السنة ولم يذكر ما يتداوله الناس من النسبة إليهم بغير مدرك وثيق أو بالاستظهار من القصص والحكايات الضعيفة لئلا يشوه صورة احتجاجاته وهكذا في كل باب ونسب ما ذكره في تفسير الأحاديث إلى الاحتمال كما يفعل أهل الورع وبالله التوفيق وله الشكر ومنه استزادة النعمة وعليه التكلان وصلى الله على رسوله والأئمة من آله . حرره الأحقر أبو الحسن المدعو بالشعراني عفى عنه .